عندما تستغرق توقيتات الله وقتاً طويلاً

كلنا نريد أمور جيدة في حياتنا وفي معظم الأوقات نريد أن تتحقق هذه الأمور الآن وليس فيما بعد وعندما تتأخر نتساءل “متى يا رب؟ … متى؟” والحقيقة هي أن أننا نحتاج أن نثق بالله بدلاً من التركيز على “متى”. فإن كنت تفتقر للسلام والفرح في حياتك وإن كنت قلقاً طوال الوقت، فأنت لا تثق بالله.

إن رغبتنا في فهم كل ما يحدث حولنا يمكن أن يعطل مسيرتنا مع الله. لقد قضيت سنوات طويلة من حياتي غير صبورة ومتوترة ومُحبطة بسبب عدم حصولي على كل الإجابات التي كنت أود الحصول عليها، ولكن الله علمني أن ليس علي أن أفهم كل شيء وأن دوري هو أن أثق في الإله الذي يعرف كل شيء وأن أتقبل وجود بعض الأسئلة غير المُجاب عنها. فرفضنا للقلق هو دليل على ثقتنا بالله.

يريدنا الله أن نسلك بحسب الإعلانات التي يعلنها لنا وليس وفقاً لمعرفتنا العقلية. فمن الصعب علينا أن نميز أمور الله بينما نحاول فهم كل ما يدور حولنا ولكن عندما نقول “يا رب، أنا لا أفهم ولكني أثق بك” سنشعر بالراحة بالرغم من عدم معرفتنا وعدم فهمنا للأمور. فالثقة بالله تطلب في معظم الأحيان جهلنا بالطريقة التي سيستخدمها الله لتحقيق مواعيده وتوقيتاته. فالله لا يتأخر أبداً ولكنه لا يسبق الوقت أيضاً. لماذا؟ لأنه يستخدم أوقات الإنتظار ليزيد إيماننا فيه ويوسع تخومنا وينمي حياتنا.

 

انتظر بصبر

نقضي أوقاتاً كثيرة من حياتنا منتظرين لأن التغيير عملية تستغرق وقتاً وبالرغ من أن كثيرون منا يريدون التغيير وإلا أننا لا نريد اجتياز مراحل الانتظار.  والحقيقة هي أن الانتظار واقع يجب أن نتعامل معه والسؤال هنا: هل سننتظر بطريقة صحيحة أم سنسيئ الانتظار؟ فإن لم ننتظر بطريقة صحيحة صارت حياتنا بائسة ولكن إن اخترنا أن ننتظر بطريقة تتفق مع كلمة الله، سنصبر وسنستمتع بوقت الانتظار. يتطلب الأمر ممارسة لذلك دعونا نطلب من الله أن يساعدنا في كل موقف نمر به، لأننا عندئذ سنتعلم الصبر الذي هو أحد الفضائل الرائعة في الحياة المسيحية وهو أحد ثمار الروح القدس (انظر غلاطية : 22)، كما أنه ينمو في أثناء وقت التجارب والأزمات.  لذلك لا يجب أن نهرب من المواقف الصعبة بل علينا أن نثابر ونثبت ونصبر (انظر يعقوب 1: 4).

وعندما نصبر، سنُكمل وسنكون غير ناقصين في شيء كما تقول كلمة الله، فعلاقتنا مع الله تتسم بالتغيير المستمر. لقد اختلفت علاقتي مع الله الآن اختلافاً جذرياً عما كانت عليه في بداية حياتي وكل تغيير كان للأفضل وكان نحو علاقة أكثر نمو وثبات مع الله. لقد تعلمت أن أثق بالله عندما اجتزت مواقف عديدة تطلبت مني وضع ثقتي فيه وتصديق مواعيده وعندما رأيت أمانة الله مرة بعد مرة، تعلمت ألا أثق في ذاتي وبالتدريج وضعت ثقتي في الله. لقد لعب الوقت دوراً كبيراً حتى تعلمت أن أضع ثقتي بالله. ولو كان الله قد استجاب لي في التو واللحظة لما نضجت ولما تعلمت أن أثق فيه، فالوقت والثقة أمران متلازمان.

 

اقبل توقيتات الله

يعطينا الله أحلام ورؤى لأمور معينة في حياتنا ولكنه لا يخبرنا بموعد تحقيقها وبالرغم من أن ذلك أمر مربك، إلا أنه يجعلنا متمسكين بما يريده الله لنا لأننا ربما كنا استسلمنا لو علمنا طول الفترة الزمنية التي قد يستغرقها تحقيق هذا الحلم. لكن عندما نقبل توقيت الله سنتعلم كيف نحيا بالرجاء والفرح في حياتنا عالمين ان الله يعمل في حياتنا وأن خطته لنا صالحة وسنسلم له نفوسنا حتى نختبر سلامه وفرحه.

نتعلم من قصة يوسف في سفر التكوين أنه انتظر سنوات طويلة حتى تحقق الحلم الذي أعطاه الله له وخلال هذه السنوات ظُلم وسُجن حتى حان وقت تحقيق الحلم.

وفي خروج 13: 17-18 نقرأ أن الله قاد شعب إسرائيل في طريق طويل وصعب خلال رحلتهم إلى أرض الموعد لأنه كان يعلم أنهم غير مستعدين لدخولها. كان عليهم أن يجتازوا تدريبات وامتحانات متعددة ونعلم أيضاً أنهم ضيعوا الكثير من الوقت في الدوران في الأرض ولكن الله اعتنى بهم وأعلن لهم الأمور الذي تعين عليهم أن يعملوها. هكذا الحال معنا نحن أيضاً. فالحلم الذي أعطاني الله إياه في فبراير من عام 1976 لم يتحقق إلا بعد سنوات كثيرة، وخلال سنوات الإعداد والتجهيز أعلن لي الله الأمور التي كان عليّ أن أفعلها.

 

تعلم أن تتكل على الله

يقول الكتاب في سفر الأمثال “قلب الإنسان يفكر في طريقه والرب يهدي خطوته” –أمثال 16: 9  و “من الرب خطوات الرجل. أما الإنسان فكيف يفهم طريقه؟” –أمثال 20: 24. سيسرنا الله في طرق قد تبدو غير منطقية خلال رحلة الحياة التي ربما لن نفهم كل شيء فيها وإن حاولنا أن نفهم كل شيء فعلى الأرجح أن حياتنا ستصير بائسة ومملؤة بالتشويش والحيرة. لذلك نجد أن أفضل طريقة للتعامل مع الوضع في أمثال 3: 5-6 “توكل على الرب بكل قلبك وعلى فهمك لا تعتمد. في كل طرقك اعرفه وهو يقوم سبلك.” الأمر يبدو بسيط، أليس كذلك؟ ولكننا في كثير من الأحيان، نحاول أن نفهم كل شيء بأنفسنا ونقضي أيامنا نهتم بشئوننا بدلاً من تسليم ذواتنا لله قائلين مع كاتب المزمور “أما أنا فعليك توكلت يا رب. قلت إلهي أنت، في يدك آجالي …” مزمور 31: 14-15

يقول بطرس الرسول في رسالته الأولى 5: 4 “الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة.” لذلك فكل من يظن أنه بنى نفسه بنفسه فليحذر التأديب لأن كلمة الله تقول أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً بدون الله (انظر يوحنا 15: 5). أما المتواضع فسينال معونة من الله وحماية. نستطيع أن نتواضع أمام الله بأن نقول “يا رب، لا أعلم ماذا ينبغي أن أفعل ولكني أثق بك” وثق أنه سيسرع الله لمعونتنا، فالله يريدنا أن نتعلم أن نتكل عليه وكل من تواضع أمامه سيرفعه في حينه (انظر 1بطرس 5: 6). وكلمة في حينه هنا تشير إلى توقيت الله المناسب عندما نكون مستعدين. وكلما قبلنا هذه الحقيقة، كلما رأينا مشيئة الله تتحقق في حياتنا.

تقول كلمة الله “لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السموات وقت.” جامعة 3: 1.  وهذا يعني أن كل منا يمر بموسم يختلف عن الآخر لذلك يجب ألا تحسد شخص لأنه يستمتع بموسم حصاد بينما تتعب أنت في موسم الزرع. تذكر أن هذا الشخص لابد وأن مرّ هو الآخر بموسم زرع وأن رؤيتك لهذا الحصاد يجب أن تُشجع إيمانك. علينا أن نفهم ونثق أن الله يريد لنا الخير في كل موسم نمر به.

يرمز موسم الزرع إلى فترة نتعلم فيها عمل مشيئة الله وفي كل مرة نختار أن نعمل مشيئة الله بدلاً من مشيئتنا نزرع بذرة سنحصد ثمارها فيما بعد. فإن أردنا أن نعيش حياة نصرة، دعونا ألا نسمح لقيم العالم ومبادئه أن تدفعنا لعمل ما نريده. يوصينا الرسول في رسالة يعقوب 1: 12 قائلاً: “لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر واقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسكم.”

والنفس هي الذهن والمشاعر والإرادة وعندما تتأصل كلمة الله فينا ستغير أذهاننا وتشفي جراحنا وتغير إرادتنا لتصير مشابهة لإرادة الله. فإن لم نسمح لكلمة الله أن تغيرنا سنبقى في البرية عاملين مشيئة الجسد ولكن عندما نصلب الجسد ونعيش بحسب مشيئة الله سندخل أرض الموعد وسندرك هويتنا في المسيح وستكون لنا شركة معه وسنتمتع بحضوره ونستمتع بالسلام والرضا والفرح.

تذكر أن بين موسم الزرع وموسم الحصاد فترة زمنية. فبعد أن تُبذر البذور وتتعرض للحرارة والرطوبة والضغط وبعد وقت يبدو خلاله وكأن لا شيئ يحدث على الإطلاق ستشق هذه البذور طريقها إلى السطح وسنرى نتيجة ما كان يحدث تحت سطح الأرض. هكذا الحال معنا أيضاً، فبعد أن نبذر بذور الطاعة، سنشعر وكأن لا شيء يحدث ولكن هناك أمور كثيرة تتغير بداخلنا وفجأة ستثمر هذه البذار ويكون لها تأثير في حياتنا.

وفي وقت الحصاد ستسمع صوت الرب وستستمتع بحضوره وستُقاد بالروح القدس وستتبعك البركة والرحمة وسيملأ الفرح قلبك. فهل تعبت من انتظار موسم الحصاد؟ هل تصرخ إلى الرب قائلاً: “متى يا رب؟ متى؟” عليك إذاً أن تدرك أن توقيتات الله عجيبة ومختلفة عن توقيتاتنا ولكن وعده لنا هو أنه لا ولن يتأخر: “لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد وفي النهاية تتكلم ولا تكذب. إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتياناً ولا تتأخر.” حبقوق 2: 3

ثق أن توقيتات الرب مضبوطة وأن معرفة الأزمنة ليست مسئوليتنا. كل ما علينا هو أن نقرر ألا نستسلم قبل أن نصل لخط النهاية ونستمتع ببركات الرب الغنية وكلما وثقنا بيسوع وثبتنا أنظارنا نحوه، كلما صار لحياتنا معنى. دعونا نتوقف عن محاولاتنا لفهم كل شيء ولنسمح لله أن يكون سيداً ورباً على حياتنا.

Facebook icon Twitter icon Instagram icon Pinterest icon Google+ icon YouTube icon LinkedIn icon Contact icon